newsare.net
في زمنٍ تتكاثف فيه التحدّيات الإقليمية وتتسارع فيه التحوّلات السياسية والعسكرية، يواجه لبنان واحدة من أدقّ مراحله التاريخية، حيث تتقاطع الضمبادرة «التيار»: مئة يوم قتال مع الخارج ولا يوم اقتتال في الداخل.. جان بو شعيا
في زمنٍ تتكاثف فيه التحدّيات الإقليمية وتتسارع فيه التحوّلات السياسية والعسكرية، يواجه لبنان واحدة من أدقّ مراحله التاريخية، حيث تتقاطع الضغوط الخارجية مع هشاشة الوضع الداخلي. ومع مرور أكثر من شهر على تصاعد التوتّرات والاشتباكات على الحدود، يبرز مطلب وطني جامع: الصمود في وجه الأخطار الخارجية، ومنع انزلاق الداخل إلى أتون الفوضى والانقسام.في هذا السياق، تبرز مبادرة التيار الوطني الحر كخطوة لافتة تهدف إلى تحصين الجبهة الداخلية اللبنانية، وإعادة التأكيد على أولوية الاستقرار الوطني فوق أيّ اعتبارات سياسية ضيّقة. المبادرة، التي تأتي في لحظة حسّاسة، تنطلق من قناعة راسخة بأنّ قوّة لبنان لا تكمن فقط في قدرته على مواجهة التهديدات الخارجية، بل في تماسك نسيجه الداخلي ووحدة مكوّناته.غير أنّ أهمّية هذه المبادرة لا تكتمل إلا عند مقارنتها بمناخ سياسي داخلي لا يزال، في بعض جوانبه، يميل إلى التصعيد بدل التهدئة. فبينما يدعو التيار إلى خفض منسوب التوتّر ووقف التحريض، تبرز في المقابل خطابات ومواقف صادرة عن قوى سياسية أخرى، من بينها القوات اللبنانية، تتّسم بنبرة حادّة في مقاربة الملفات الوطنية، ما يثير تساؤلات حول مدى انسجام هذه المواقف مع متطلّبات المرحلة الدقيقة.ففي وقت يحتاج فيه لبنان إلى خطاب جامع يخفّف الاحتقان، يرى مراقبون أنّ بعض الطروحات التصعيدية، سواء في الإعلام أو في الخطاب السياسي، قد تسهم في تعميق الانقسام الداخلي، حتى وإن جاءت تحت عناوين سياسية أو سيادية. وهنا تبرز المفارقة: بين من يطرح مبادرات لاحتواء التوتّر، ومن يرفع سقف المواجهة السياسية إلى حدود قد تنعكس سلباً على الاستقرار الداخلي.ترتكز مبادرة التيار الوطني الحر على مجموعة من المبادئ الأساسية، في مقدّمتها الدعوة إلى وقف كلّ أشكال التحريض السياسي والإعلامي، والامتناع عن الخطابات التي تؤجّج الانقسامات الطائفية والمذهبية. كما تشدّد على أهمّية تعزيز الحوار بين مختلف القوى السياسية، بما يضمن إدارة الخلافات ضمن الأطر الديمقراطية والسلمية، بعيداً عن أيّ توتر أمني أو شعبي. وهي، في هذا الإطار، تقدّم نفسها كنقيض لنهج المواجهة المفتوحة التي قد تتبنّاها بعض الأطراف.ولا تقتصر المبادرة على الجانب السياسي فحسب، بل تمتدّ لتشمل البعد الاجتماعي، عبر الدعوة إلى تعزيز التضامن بين اللبنانيين في مواجهة الأزمات الاقتصادية والمعيشية الخانقة. فالوحدة الوطنية، وفق رؤية التيار، لا تُبنى فقط في الخطابات، بل تتجسّد في التعاون اليومي بين المواطنين، وفي دعم الفئات الأكثر تضرّراً من الأزمات المتلاحقة.ويؤكّد القائمون على المبادرة أنّ الحفاظ على السلم الأهلي هو مسؤولية جماعية، لا تقع على عاتق طرف دون آخر. فلبنان، الذي دفع أثماناً باهظة في مراحل سابقة نتيجة الاقتتال الداخلي، لا يحتمل تكرار تلك التجارب المؤلمة، خاصّة في ظلّ الظروف الراهنة التي تتطلّب أعلى درجات الحكمة والتبصّر.في المقابل، لاقت هذه الخطوة ترحيباً من جهات عدّة، رأت فيها فرصة لإعادة توجيه البوصلة نحو القضايا الوطنية الكبرى، بدلاً من الانغماس في صراعات داخلية تستنزف البلاد وتضعف قدرتها على الصمود. كما اعتبر مراقبون أنّ نجاح هذه المبادرة مرهون بمدى التزام جميع الأطراف بها، وترجمتها إلى خطوات عملية على أرض الواقع، بما في ذلك مراجعة الخطابات السياسية التي قد تؤدّي إلى تأجيج الشارع.ومع استمرار التحدّيات الخارجية، يبقى الرهان الأساسي على وعي اللبنانيين وإدراكهم لخطورة المرحلة. فـ«مئة يوم قتال مع الخارج» قد تكون قدراً مفروضاً، لكن «ولا يوم اقتتال في الداخل» هو خيار يجب التمسّك به، حفاظاً على ما تبقّى من استقرار، وتمهيداً لعبور هذه المرحلة بأقلّ الخسائر الممكنة.في النهاية، قد لا تكون المبادرات وحدها كافية لإنقاذ الأوطان، لكنّها تشكّل بداية ضرورية في مسار طويل نحو إعادة بناء الثقة، وترسيخ ثقافة الحوار، وتحصين الداخل اللبناني في وجه كلّ العواصف، خصوصاً في ظلّ تباين واضح بين من يدعو إلى التهدئة ومن لا يزال يعتمد خطاب المواجهة كأداة سياسية. Read more











