newsare.net
لطالما قيل إن كرة القدم هي اللغة المشتركة التي توحّد الشعوب، وإنها آخر المساحات التي تلتقي فيها الأمم بعيدا عن الحسابات السياسية والصراعات الكرة القدم ليست للبيع... عندما تتحول الفيفا إلى أداة للنفوذ السياسي ورأس المال
لطالما قيل إن كرة القدم هي اللغة المشتركة التي توحّد الشعوب، وإنها آخر المساحات التي تلتقي فيها الأمم بعيدا عن الحسابات السياسية والصراعات الجيوسياسية. لكن ما يجري اليوم داخل أروقة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، إذا ما تأكدت تفاصيله، يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل اللعبة، وحول ما إذا كانت كرة القدم لا تزال ملكا لجماهيرها أم أنها أصبحت جزءا من منظومة النفوذ السياسي والمالي العالمي. إن فكرة إنشاء كيان تجاري مستقل لإدارة الحقوق التجارية لكأس العالم وبيع جزء من أسهمه لمستثمرين من القطاع الخاص، لا يمكن النظر إليها بوصفها خطوة اقتصادية بحتة. فحين يصبح أكبر حدث رياضي في العالم أصلا استثماريا قابلا للبيع والشراء، تنتقل كرة القدم من فضاء الرياضة إلى فضاء الأسواق المالية، وتصبح القرارات المتعلقة بها عرضة لتأثير أصحاب رؤوس الأموال، لا لمصلحة اللعبة نفسها. الأكثر إثارة للجدل ليس المشروع في حد ذاته، بل الأسماء التي تدور حوله. فالتقارير التي تحدثت عن اهتمام شركة Thrive Capital بالدخول في المشروع أعادت إلى الواجهة العلاقة بين عالم المال والسلطة السياسية، خاصة أن الشركة يقودها جوشوا كوشنر، شقيق جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ورغم أن صلة القرابة لا تعني بالضرورة وجود تدخل سياسي أو تنسيق مباشر، فإن هذا التقاطع بين دوائر المال والسياسة والرياضة يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول تضارب المصالح واستقلالية القرار الرياضي. وقد سبق أن وُجهت انتقادات إلى رئيس فيفا، جياني إنفانتينو، بسبب قربه من عدد من القادة السياسيين، وفي مقدمتهم دونالد ترامب، وهو ما أثار نقاشا متكررا حول الحدود التي ينبغي أن تفصل بين المؤسسة الرياضية العالمية ومراكز القرار السياسي. فالفيفا، بحسب نظامها الأساسي، مطالبة بالحفاظ على استقلالها عن الحكومات والضغوط السياسية، غير أن المشهد الحالي يوحي بأن هذا الفصل أصبح أكثر هشاشة من أي وقت مضى. إن الخطر الحقيقي لا يكمن في دخول مستثمر جديد، بل في تكريس نموذج تتحول فيه البطولات العالمية إلى أدوات استثمار ونفوذ. فإذا امتلك مستثمرون حصة في الكيان التجاري الذي يدير كأس العالم، فمن الطبيعي أن تصبح الأولوية لتعظيم الأرباح والعوائد المالية، وقد ينعكس ذلك على قرارات تتعلق بمواعيد البطولات، وحقوق البث، والتسويق، وحتى اختيار الدول المستضيفة، بما يخدم المصالح التجارية أكثر من خدمة الرياضة وجماهيرها. وفي هذا السياق، تبدو اعتراضات بعض الأصوات الأوروبية مفهومة، إذ ترى أن كرة القدم ليست شركة مساهمة، بل إرث إنساني وثقافي عالمي، وأن تحويلها إلى سلعة مالية قد يغيّر طبيعتها ورسالتها. ومع ذلك، فإن أي حديث عن مقاطعة كأس العالم يبقى قرارا معقدا، لأن البطولة تمثل منظومة عالمية تضم أكثر من مئتي اتحاد وطني، ولا يمكن اختزال مستقبلها في موقف طرف واحد مهما بلغت مكانته. لقد شهدت كرة القدم خلال العقود الأخيرة تدخلات سياسية متعددة، من مقاطعات أولمبية ورياضية، إلى استخدام البطولات في تحسين الصورة الدولية للدول، وصولا إلى العقوبات والإيقافات المرتبطة بالنزاعات الدولية. وهذا يؤكد أن الرياضة لم تعد بمنأى عن السياسة، بل أصبحت إحدى أدوات القوة الناعمة في العلاقات الدولية. غير أن إدخال رأس المال الاستثماري إلى صلب إدارة البطولة الأكثر شعبية في العالم قد يضيف بعدا جديدا، يجعل التوازن بين المصالح الاقتصادية والمبادئ الرياضية أكثر صعوبة. إن استقلالية كرة القدم ليست شعارا إعلاميا، بل شرط أساسي للحفاظ على نزاهة اللعبة وعدالتها. وإذا أصبحت القرارات الكبرى تُصاغ تحت تأثير التحالفات السياسية أو المصالح الاستثمارية، فإن الخاسر الأول لن يكون فيفا أو الاتحادات القارية، بل ملايين الجماهير التي تؤمن بأن كرة القدم ملك لها، لا للشركات ولا للسياسيين. إن كرة القدم وُلدت في الملاعب الشعبية قبل أن تدخل قاعات الاجتماعات، وصنعت مجدها الجماهير قبل المستثمرين. ولهذا، فإن أي مشروع يمس مستقبلها يجب أن يقوم على أعلى درجات الشفافية، وأن يخضع لرقابة الاتحادات الوطنية والأندية واللاعبين والجماهير، لا أن يتحول إلى صفقة مالية مغلقة. فالرياضة التي تجمع العالم لا ينبغي أن تصبح رهينة الحسابات السياسية أو المصالح التجارية، لأن قيمتها الحقيقية لا تُقاس بحجم الأرباح، بل بقدرتها على توحيد الشعوب وصون روح المنافسة الشريفة. Read more











