newsare.net
لم يجمع قانون العفو جرائم متشابهة بقدر ما جمع أعطالاً متعددة في الدولة: قضاءً تأخر، وإدارة لم تنفذ، وسياسة عقابية لم تُراجع في وقتها، وتشريعادولة الاستثناءات: عندما يصبح التشريع مقايضة... ولماذا تطييف الملف؟ (خلدون الشريف - المدن)
لم يجمع قانون العفو جرائم متشابهة بقدر ما جمع أعطالاً متعددة في الدولة: قضاءً تأخر، وإدارة لم تنفذ، وسياسة عقابية لم تُراجع في وقتها، وتشريعاً بقي بلا تطبيق. وحين عجزت المؤسسات عن معالجة كل مشكلة في مكانها، جمعتها السياسة في سلة واحدة وسمّتها عفواً عاماً.أقرّ مجلس النواب اللبناني قانون العفو العام، منهياً ملفاً ظل سنوات يتنقل بين الحكومات واللجان والكتل النيابية. ويمكن النظر إليه بوصفه محاولة لمعالجة اكتظاظ السجون وتراكم الملفات وتأخر المحاكمات. لكن النقاش الذي رافق إقراره كشف شيئاً أعمق: لم يكن لبنان يناقش فقط من يستحق العفو ومن لا يستحقه، بل كان يكشف مرة أخرى كيف كانت تعمل بها دولته حين تعجز مؤسساتها عن أداء وظائفها.فالعفو، الذي يفترض أن يكون استثناءً محدوداً من قاعدة المحاسبة، تحول إلى وعاء جُمعت فيه ملفات مختلفة جذرياً: موقوفون ومحكومون إسلاميون، ومزارعو قنب ومتعاطون وبعض المدانين في قضايا مخدرات، ومحكومون بجرائم أخرى، ولبنانيون لجأوا إلى إسرائيل بعد عام 2000 ولم ينخرطوا معها عسكرياً أو أمنياً، فضلاً عن موقوفين أمضوا سنوات من دون أحكام ومحكومين بقوا في السجن بسبب عدم قدرتهم على تسديد الغرامات.وقد لخّص نزار صاغية إحدى مشكلات القانون بالقول إن كل طرف حصل على «حصة من الكعكة». لكن المشكلة أعمق من توزيع حصص بين سنة وشيعة ومسيحيين: لماذا احتاج الحق، أو المظلومية، أو السياسة العقابية، إلى طائفة كي تصبح قابلة للمعالجة؟حين يصبح الاستثناء طريقة في الحكمالمشكلة ليست في مبدأ العفو نفسه. فالدول تلجأ إليه بعد الحروب والأزمات الكبرى، وقد تكون له وظيفة مشروعة وضرورية. لكن ليس كل عفو سواء.فعفو 1991 جاء في نهاية حرب أهلية، وكان جزءاً من تسوية هدفت إلى طي صفحة مرحلة كاملة. أما عفو 2026، فجزء أساسي من مبرراته يتعلق بمشكلات يفترض أن تعالجها الدولة في عملها اليومي العادي: توقيف طويل، ومحاكمات متأخرة، وسجون مكتظة، ومحكومون أنهوا عقوباتهم وبقوا بسبب الغرامات.العفو الأول عالج إرث حرب؛ أما الثاني فيعالج، إلى حد بعيد، إرث عجز المؤسسات. وحين تستخدم الدولة الاستثناء لمعالجة الخلل الدائم، يتحول الاستثناء نفسه إلى طريقة في الحكم.هناك موقوفون أمضوا سنوات طويلة من دون أحكام، وحالات أثيرت حولها شبهات بشأن التحقيقات والإجراءات الأمنية، فيما كشفت وقائع الضرب والتعذيب وسوء المعاملة في سجن رومية (عام 2015 مثلًا) جانباً من الاختلال الذي أصاب العلاقة بين السياسة والأمن والقانون في تلك المرحلة القاتمة.فإذا بقي إنسان موقوفاً سنوات من دون محاكمة ضمن مهلة معقولة، فحل المشكلة ليس منّة سياسية. وإذا انتُزع اعتراف بالتعذيب، فلا يحتاج صاحبه إلى عفو كي يستعيد حقه. وإذا لم تثبت الجريمة على المتهم، فبراءته لا يجوز أن تقدم إليه ضمن صفقة سياسية.فالبراءة ليست عفواً. وتصحيح التوقيف التعسفي ليس عفواً. ومحاسبة من مارس التعذيب ليست عفواً.العفو الحقيقي يبدأ بعد ذلك: عندما تثبت الجريمة أمام قضاء عادل، ثم تقرر الدولة، لمصلحة عامة استثنائية، إسقاط الجريمة أو العقوبة. عندها يصبح السؤال: لماذا نعفو؟ وما المصلحة الوطنية التي تبرر الاستثناء من مبدأ المحاسبة؟أما أن تختلط في قانون واحد مظالم كان يجب على القضاء تصحيحها بجرائم وعقوبات تقرر الدولة العفو عنها، فهذه مشكلة مختلفة.أعطال مختلفة جمعتها السياسةتكشف الملفات المشمولة بالقانون حجم هذا الاختلاط. ففي قضية الموقوفين والمحكومين الإسلاميين، نحن أساساً أمام مشكلة عدالة: طول توقيف ومحاكمات واعتراضات تراكمت على مدى سنوات.أما ملف المخدرات، فالصورة مختلفة. القانون لا يعفو عن «تجار المخدرات» بإطلاق، كما يوحي بعض الخطاب السياسي، بل يشمل زراعة المواد المخدرة والتعاطي وبعض الجرائم غير المتكررة، فيما يستثني فئات أخرى بينها جنايات التكرار. وهنا يختلط التجريم بمراجعة السياسة العقابية، ولا سيما أن الدولة نفسها شرّعت عام 2020 زراعة القنب للاستخدام الطبي والصناعي.وفي ملف اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل بعد عام 2000 ولم ينخرطوا عسكرياً أو أمنياً، تصبح المفارقة أوضح. فقد أقرّت الدولة منذ عام 2011 القانون 194 لمعالجة أوضاعهم، لكنها لم تصدر مراسيمه التطبيقية طوال نحو خمسة عشر عاماً، فجاء عفو 2026 ليعالج أيضاً عجز الدولة عن تنفيذ قانون كانت قد أقرته بنفسها.ما الرابط، إذاً، بين موقوف أمضى سنوات بلا حكم، ومزارع قنب، ومحكوم بقي في السجن لعجزه عن دفع غرامة، ولبناني ينتظر منذ 2011 تطبيق قانون لمعالجة وضعه؟ليس بينها معيار قضائي واحد. بعضها مظلمة، وبعضها خلل قضائي أو إداري، وبعضها خيار في السياسة العقابية، وبعضها عفو فعلي عن جريمة وعقوبة. الذي جمعها في النهاية هو السياسة.وهكذا لم تعد نقطة الانطلاق الفرد وحقوقه ومسؤوليته الجنائية، بل الجماعة التي ينتمي إليها أو الملف السياسي الذي أصبح يمثلها.فالموقوف الإسلامي لا ينبغي أن يحصل على العدالة لأنه سني، كما لا ينبغي لمتهم بالمخدرات أن يستفيد لأن ملفه أصبح مطلباً لمنطقة يطغى عليها حضور شيعي، ولا للبناني الموجود في إسرائيل أن تعالج قضيته لأنها دخلت ضمن حصة سياسية مسيحية.القانون افتراضًا لا يعرف سنياً وشيعياً ومسيحياً. يعرف متهماً ومحكوماً وبريئاً وضحية، ويعرف جريمة وأدلة، وعقوبة، وحقوقاً، وضمانات. وحين يحتاج المواطن إلى جماعته كي يحصل على حقه، لا تعود الجماعة مجرد وسيط سياسي؛ تصبح بديلاً من الدولة.حتى الأرقام تعكس جانباً من المشكلة. فالرقم الرسمي المنشور لعدد نزلاء السجون بلغ 6268 في نهاية آذار، فيما تحدثت تقديرات عن نحو 3300 مستفيد من القانون، وأخرى عن نحو 2300 قد يخرجون في المرحلة الأولى.وفي ملف الإسلاميين ظهرت أرقام مختلفة، بينها إحصاء حديث يتحدث عن 256 موقوفاً ومحكوماً، فيما تشير التقديرات إلى ان عشرات منهم سيخرجون في المرحلة الأولى، على أن يستفيد آخرون تباعًا بحسب أوضاعهم وأحكامهم. أما الرقم المتداول عن نحو 3500 في قضايا المخدرات، فلا يعني بالضرورة 3500 سجين سيخرجون، إذ تختلط في النقاشات فئات الموقوفين والمحكومين والمطلوبين.قد تكون لهذه الفروق أسباب تقنية أو تعود إلى اختلاف التواريخ والتصنيفات. لكن يبقى السؤال: لماذا لا يكون أمام الرأي العام جدول رسمي موحد يحدد عدد الموقوفين والمحكومين، وأنواع الجرائم، وعدد المستفيدين من كل مادة في القانون؟قبل أن نسأل الدولة عمّن تريد أن تعفو، يحق لنا أن نسألها: هل تعرف هي، وهل يستطيع مواطنوها أن يعرفوا، عمّن تعفو ولماذا؟وقضية الشيخ أحمد الأسير مثال على المشكلة، لا أكثر. فقد دار جانب كبير من النقاش حول ما إذا كان القانون سيتيح خروجه أو سيبقيه في السجن. لكن المبدأ يجب أن يبقى واحداً بصرف النظر عن الموقف منه وعن أحداث عبرا وما خلّفته من جراح: كما لا يجوز تفصيل العفو لإخراج شخص بعينه، لا يجوز تفصيل الاستثناءات لإبقائه في السجن.إذا كان مذنباً، فليعاقب وفق القانون. وإذا كانت له حقوق قضائية أو اعتراضات قانونية، فمكان بحثها القضاء. ولا ينبغي وضع حقوق شهداء الجيش وحقوق الموقوفين في ميزان متقابل: حقوق شهداء الجيش لا تُصان بظلم متهم، كما أن حقوق المتهم لا تُصان بإهدار حق شهيد.ما بعد العفو: امتحان الدولةقد يصحح القانون أوضاع مئات أو آلاف الأشخاص، وقد ينهي مظالم حقيقية. لكن الخطأ سيكون اعتبار فتح أبواب السجون إصلاحاً للأسباب التي ملأتها.فإذا بقي القضاء بطيئاً، والتوقيف الاحتياطي قابلاً للتحول إلى عقوبة، والسجون مكتظة، والإدارة عاجزة عن تنفيذ قوانينها، والسياسة تنتظر تراكم الاختلالات قبل أن تعالجها بتسوية جديدة، فسنعود بعد سنوات إلى النقطة نفسها.العفو يمحو بعض نتائج الخلل، لكنه لا يصلح المؤسسات التي أنتجته.ولهذا فإن ما يحتاج إليه لبنان بعد القانون أصعب من القانون نفسه: قضاء أسرع وأكثر استقلالاً، وضوابط فعلية للتوقيف الاحتياطي، ومساءلة عن التعذيب وسوء المعاملة، وإصلاح للسجون، وإدارة تنفذ القوانين التي تصدر، وسياسة عقابية تُراجع بالتشريع الطبيعي لا بالمقايضات الموسمية.حققوا العدالة أولاً، ثم ناقشوا ما يبقى من حاجة إلى العفو.فنحن لسنا أمام خيار بين الأمن والعفو، بل أمام حلقات مترابطة من الفشل: عدالة تأخرت، وأمن تجاوز القانون في بعض الحالات والمراحل، وإدارة لم تنفذ، وسياسة تحاول معالجة النتائج بالمقايضة.ولبنان الذي يناقش اليوم استعادة سيادته وبناء دولته لا يستطيع أن يفصل هذه القضية عن بقية معركة الدولة. فلا معنى لدولة تحتكر السلاح ولا تحتكر العدالة، ولا لدولة تريد حماية حدودها ولا تستطيع حماية حق مواطن داخل سجن، ولا لسيادة على الأرض من دون سيادة القانون على من يعيش فوقها.قانون العفو قد يفتح أبواب السجون، لكنه لا يبني دولة. فالدولة تبدأ قبل السجن: بإدارة تعرف أرقامها وتنفذ قوانينها، وقضاء يحاكم في مهلة معقولة، وأمن يعمل تحت سلطة القانون، وجيش يحمي الأرض والمؤسسات، وعدالة لا تسأل المواطن عن طائفته قبل أن تمنحه حقه.فالدولة لا تُبنى بكثرة الاستثناءات، بل بأن يكون القانون أقوى من الجماعة، والعدالة أقوى من السياسة، والحق أقوى من المقايضة.ملاحظة: تستند الأرقام الواردة في المقال إلى البيانات الرسمية المتاحة والتقديرات المنشورة في مصادر صحافية ونيابية مختلفة. ونظراً إلى غياب إحصاء رسمي موحّد ومفصّل للمستفيدين من قانون العفو بحسب أوضاعهم القانونية ونوع الجرائم، قد تختلف بعض الأرقام باختلاف المصدر وتاريخ الإحصاء وطريقة تصنيف الموقوفين والمحكومين والمطلوبين. Read more











